محمد بن جرير الطبري

616

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

دعا جماعه من الرؤساء والاعلام ، قعد يوما بباب عبد الله بن طاهر ، وقد ركب إلى عبيد الله بن السرى بعد صلحه وأمانه ، فلما انصرف قام اليه الرجل ، فأخرج من كمه رقعه فدفعها اليه ، فأخذها بيده ، فما هو الا ان دخل فخرج الحاجب اليه ، فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه ، ما بينه وبين الأرض غيره ، وقد مد رجليه ، وخفاه فيهما ، فقال له : قد فهمت ما في رقعتك من جمله كلامك ، فهات ما عندك ، قال : ولى أمانك وذمه الله معك ؟ قال : لك ذلك ، قال : فأظهر له ما أراد ، ودعاه إلى القاسم ، واخبره بفضائله وعلمه وزهده ، فقال له عبد الله : ا تنصفني ؟ قال : نعم ، قال : هل يجب شكر الله على العباد ؟ قال : نعم ، قال : فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الاحسان والمنة والتفضل ؟ قال : نعم ، قال : فتجيء إلى وانا في هذه الحالة التي ترى ، لي خاتم في المشرق جائز وفي المغرب كذلك ، وفيما بينهما امرى مطاع ، وقولي مقبول ، ثم ما التفت يميني ولا شمالي وورائي وقد أمي الا رايت نعمه لرجل أنعمها على ، ومنه ختم بها رقبتي ، ويدا لائحة بيضاء ابتدانى بها تفضلا وكرما ، فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الاحسان ، وتقول : اغدر بمن كان أولا لهذا وآخرا ، واسع في ازاله خيط عنقه وسفك دمه ! تراك لو دعوتني إلى الجنة عيانا من حيث اعلم ، ا كان الله يحب ان اغدر به ، واكفر إحسانه ومنته ، وانكث بيعته ! فسكت الرجل ، فقال له عبد الله : اما انه قد بلغني امرك ، وتالله ما أخاف عليك الا نفسك ، فارحل عن هذا البلد ، فان السلطان الأعظم ان بلغه امرك - وما آمن ذلك عليك - كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك . فلما ايس الرجل مما عنده جاء إلى المأمون ، فأخبره الخبر ، فاستبشر وقال : ذلك غرس يدي ، والف أدبي ، وترب تلقيحى ، ولم يظهر من ذلك لأحد شيئا ، ولا علم به عبد الله الا بعد موت المأمون . وذكر عن عبد الله بن طاهر أنه قال وهو محاصر بمصر عبيد الله بن السرى :